القاضي عبد الجبار الهمذاني

83

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وكيف يعرف من جهة الإمام ما يتحمله من الشرع وما يحفظه ، وما تزول به الشبهة وفقد الجميع متعذر إن لم يصح التواتر ، وهذا يوجب إثبات معصومين حتى يكون كل مبلغ عن الإمام معصوما . وما يلزم / من ذلك أزيد مما ألزمنا من قبل ، من كون الأمراء والحكام معصومين ؛ فيبطل مع ذلك إثبات إمام ، بأن يقال : جوزوا فيمن ينقل عن الرسول أن يكونوا مثل الإمام ، وأن يستغنى عن الإمام المعصوم بهم كما يستغنى عن كون الإمام بهم عن معصوم سواه ، ويبطل مع ذلك ما أوردوه من العلة ، لأنهم قدحوا في التواتر ؛ لأن جميعهم بمنزلة كل واحد منهم في جواز الغلط في النقل عليه ، وانتهى بهم إلى أن أثبتوا كل واحد منهم معصوما ؛ إذا كان ناقلا عن الإمام ، فهلا جوزتم مثله في النقل عن الرسول ؟ وإذا صح ذلك في الآحاد ، فأن يصح في الجماعة مثله أولى . ولا بد لهم في هذه العلة من القول بأن الشريعة غير محفوظة الآن ، وليس إمام . ولا سبيل لنا إلى معرفته وتمييزه من غيره ، على أن ذلك يجرى مجرى البهت ؛ لأنا نجد من أنفسنا أنا نعرف أركان الشرائع بالتواتر ، وإن لم يعرف الإمام المعصوم ولا تعرف صحته . ولا يمكنهم أن يدعوا علينا هذا الاعتقاد ، ونحن نعلم من أنفسنا خلافه ، بل يعلمون ذلك من حالنا . ويلزمهم على هذه الطريقة أن لا يعرف الشريعة إلا من يعرف الإمام المعصوم ، وذلك يوجب عليهم في سائر الفرق أن لا يعرفوا ذلك . ولو لم يعرفوه لما عرفه غيرهم ، فكيف يصح ذلك ، والقول بإثبات إمام معصوم ليس بمتقدم وإنما حدث في الأزمان المتقاربة ، فيجب أن لا يعرف الشرع أصلا ؛ لأن من تقدم لم يعرفه ، وإذا لم يعرف المتأخر إلا بنقل المتأخر الّذي لم يعرف . فيجب أن لا يعرفه أحد . وهذا يبين ما ادعيناه من أن هذه الشبهة من دسيس الملاحدة الذين مقصدهم التشكيك في النبوات والشرائع ، ولم يكن غرضهم إثبات الإمامة ، لكنهم رأوا أن